سليمان الدخيل

99

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

وكانوا بطانته ، ولا يمنعهم من فسق يرتكبونه ، وكان الناس منهم في بلاء عظيم ، وازداد نهبهم لقرى بغداد . ولم يستجب أمير بغداد لنداء أهلها بحمايتهم ، وظلت الفوضى سائدة ببغداد لذلك لم يكن هناك بد من أن يعتمد أهل بغداد على أنفسهم في حماية ممتلكاتهم ونسائهم وأبنائهم : فقام صلحاء كل ربض وكل درب . وتدارسوا وسائل القضاء على المفسدين ، ونهض نفر منهم يدعو الناس إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والعمل بكتاب اللّه وسنة رسوله ، وتزعم هذه الحركة سهل بن سلامة الأنصاري الذي علق مصحفا في عنقه ، واجتمع حوله الناس ، وبايعوه على ما اعتزم عليه « وطاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها يتصدى للشطار ، ويقاتل المفسدين « 1 » . نخرج من ذلك إلى القول بأن الحياة في بغداد لم تكن كلها مجون ولهو كما يصور ذلك بعض الأدباء ، بل كان اللهو والطرب جانبا من جوانب الحياة الاجتماعية ، وعرف طريقه في قصور الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة وفي بيوت تجار الرقيق والقيان وغير ذلك « وكره فريق من أهل بغداد هذا النوع من الحياة واستنكروه ، وعكفوا على المساجد يقضون فيها أوقات فراغهم حيث يستمعون إلى الفقهاء ورجال العلم ، ويستفيدون منهم ، وفريق من الناس زهد في الدنيا والحياة المترفه التي نعم بها الكثير من البغداديين ، ولا يغيب عن الأذهان أن طبقة رجال الدين والأدب كانت تأتى في المحل الأول من الأهمية والاعتبار قبل طبقة المغنيين والموسيقيين ، ومن ثم نظر الناس إلى رجال الدين ونظرة الأدب تختلف كل الاختلاف عن نظرتهم إلى أهل اللهو والطرب ، بل ترى بعض الفقهاء يتجنب الحديث مع الموسقيين والمغنيين ، ويتحرج منهم ، إسحاق الموصلي يكره أن يوصف بأنه مغنى . وبهذه المناسبة نذكر أن بعض الكتاب قد أفرط في وصف حياة الرشيد كانت

--> ( 1 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 201 ه .